الجمعة، 9 أكتوبر، 2009

لم أخطط من أجل دخولي احدى القاعات السينمائية لمشاهدة فيلم تم إختياره عشوائيا،surrogates لكن القدر أبى إلا أن يلقي بي فى أحضان التقنية و الخيال العلمي.

surrogates أو البدلاء فيلم يصور الأرض فى حقبة زمنية غير محددة لكن الحياة فيها تشبه حياتنا اليوم مع فارق استخدام تقنية حديثة تسمح للانسان التحكم عن بعد من خلال اشارات عقله بالأطراف الصناعية.

لدينا اليوم أبحاث فى هذا المجال من أجل تعويض الذين فقدوا  أطرافهم الطبيعية ومساعدتهم على ممارسة الحياة شكل عادي، لكن الفيلم يستخدم هذه التقنية لتصنيع دمى آليه مغطاه بطبقة من الجلد لتبدو بشرية المظهر، قادرة على الحركة، التحدث، قيادة السيارات، التسوق والذهاب الي الملاهي الليلية وعيادات التجميل!!

الانسان مخلوق ضعيف جدا، مجرد كائن ميكروسكوبي الحجم قادر على انهاء حياته، بخلاف الحوادث وأعمال العنف المختلفة، ومن أجل الحفاظ على هذه الحياة وإبقائها آمنة من هذه المخاطر يتم تصنيع دمى آلية شديدة الشبه بصاحبها الذي يستطيع رؤية وسماع كل ما يحيط بهذه الدمية والتحكم بها من خلال كابلات فوق عينه ورأسه، ليمارس حياته اليومية بالتفاعل مع الآخرين وانجاز أعمال وظيفته من خلالها، بينما هو مستلقي فى غرفة نومه، واذا تعرضت هذه الدمية لحادث أو لأحد أشكال العنف يكون كل ما خسره كتلة من المعدن وبكرة من السلك.

وفقا للفيلم فان هذه الفكرة وجدت القبول لدى ملايين الناس حول العالم وتحول المارة فى الشوارع، الموظفين، رجال الشرطة والجيش، رواد الملاهي والقاعات السينمائية مجرد دمى آلية.

منذ عشرين سنة وكتاب الخيال العلمي تستهويهم فكرة انتقال الفيروس من الكمبيوتر الى الانسان ليؤدي الى وفاته على الفور، وبغض النظر عن استحالة حدوثها فان Robert Venditti مؤلف القصة الرسومية The Surrogates المأخوذ عنها الفيلم إستخدم نفس الفكرة من أجل صنع الاثارة لقصته، وتنبيه البطل الى أن الحياة لم تعد كما ينبغي.

المطارادت، الانفجارات، تناثر الأشلاء المعدنية والزيوت الخضراء فى وجه المشاهدين لا تعنيني هنا، بقدر ما يعنيني مشهد Bruce Willis بطل الفيلم وهو ملقي على الأرض بعد اصابته (الكترونيا وعن بعد) أمام غرفة زوجته مستغيثا بها، بينما هي مستغرقة فى حياتها الافتراضيه من خلال دميتها الصناعية والكابلات فوق عينها ورأسها.

يعنيني الحوار بين Bruce و الدمية الآلية لزوجته وهو يمسح دماء يده المصابه بجانب وجهها قائلا: “ينقصني هذا”!!

يجذب حواسي بشدة حالة البطل وهو يسير على قدميه فى الشارع لأول مره منذ سنوات، وكيف يعاني لحفظ توازنه و شق طريقه بين المارة بينما تسأله مرافقته الآليه منذ متى لم تنزل للشارع بدون مستنسخك، (تعني الدمية الآلية)!!

يقول Robert Venditti  جاء  الإلهام لكتابة The Surrogates  بعد القراءة عن العديد من الأفراد الذين فقدوا أزواجهم أو وظائفهم بسبب ادمانهم على شبكة الانترنت وشخصيتهم عليها.

قبل أن أبحث عن صاحب قصة الفيلم، او ما هي دوافعه من كتابتها، كانت عيني تراقب شاشة العرض وعقلي يقارن سلوك البشر واستخدامهم لهذه الدمى الآلية سواء كانت تعبير عن شخصيتك الحقيقية، أو شخصية مزيفة لشابة جذابة يلهو بها صاحبها القبيح البدين، مع سلوكنا اليوم على شبكة الانترنت التي تتيح للشخص انشاء عشرات الشخصيات والتحرك بهم بحرية تامة عبر أرجائها.. فى المنتديات، الشبكات الاجتماعية، المواقع الاخبارية!!

نعم، انه يقصد شبكة الانترنت ولا يقصد غيرها، لم يأتي على ذكرها مطلقا فى القصة، لكنه استبدلها بهذه الشبكة من الدمى الآلية التي هي أيضا مربوطة بشكل غير معلن بغرفة تحكم ومراقبة، تسجل جميع أعمال هذه الدمى وترسل انذارات فى حالات معينة، كما تتيح لمراقب هذه الغرفة تعطيل دميتك اذا لم يعجبه ما تفعل!!

اليوم أصبحت الانترنت تسلب مننا أدميتنا، وتسلب طبيعتنا البشرية، صحيح انها تقربنا، تلغي الحدود والمسافات، لكنها تحرمنا دفئ علاقتنا الانسانية ببرودتها المعدنية.

صورة وجهك المرسومة امامي على الشاشة ورغم كونها صورة حية تنقل لي تعابيرك وانفعلاتك، لكنها تحرمني من لمسك والشعور بدفئك فى حياتي، والغريب اننا نعتاد تدريجيا على هذا الفقد حتى يصبح القلم المعدني والأزرار البلاستيكية والشاشة الزجاجية هي كل ما نلمسه ونشعر به فى حياتنا.

1 التعليقات

امل عبد الواحج يقول... 9 أكتوبر، 2009 11:38 م

رائع رائع
بجد كل المقالة او الموضوع عجبنى جدا
الفكرة والمضمون والنظرة المتعمقة للأشياء

إرسال تعليق